الحلبي
300
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة ، وكان من أعلم كهاننا ، فقلنا له يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها ؟ فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها ، فقال ائتوني بسحر أي قبيل الفجر أخبركم الخبر الخير ، أم ضرر أم لأمن أو حذر . قال . فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من الغد في وجه السحر أتيناه ، فإذا هو قائم على قدميه شاخص في السماء بعينيه ، فناديناه : يا خطر يا خطر ، فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا فانقض نجم عظيم من السماء وصرخ الكاهن رافعا صوته أصابه أصابه ، جمع وصب كجمل وجمال ، فالهمزة بدل من الواو ، خامره عقابه ، عاجله عذابه ، أحرقه شهابه ، زايله جوابه : أي زال عنه جوابه ، يا ويله ما حاله ، بلبله بلباله ، البلبال الغم ، عاوده خباله ، تقطعت حباله ، وغيرت أحواله ، ثم أمسك طويلا ، ثم قال : يا معشر بني قحطان ، أخبركم بالحق والبيان ، أقسم بالكعبة والأركان ، والبلد المؤتمن السدان أي الخدام ، قد منع السمع عتاة الجان ، بثاقب يكون ذا سلطان ، من أجل مبعوث عظيم الشأن ، يبعث بالتنزيل والفرقان ، وبالهدى وفاضل القرآن ، تبطل به عبادة الأوثان ، قال فقلنا له : ويلك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما ، فما ذا ترى لقومك ؟ فقال : أرى لقومي ما أرى لنفسي * أن يتبعوا خير نبي الإنس برهانه مثل شعاع الشمس * يبعث في مكة دار الحمس بمحكم التنزيل غير اللبس والحمس بضم الحاء المهملة وإسكان الميم والسين المهملة : هم قريش وما ولدت من غيرها فإنهم كانوا لا يزوجون بناتهم لأحد من أشراف العرب إلا على شرط أن يتحمس أولادهم ، فإن قريشا من بين قبائل العرب دانوا بالتحمس ، ولذلك تركوا الغزو ، لما في ذلك من استحلال الأموال والفروج ومالوا للتجارة ، ومن ثم يقال : قريش الحمس ، سموا بذلك لتشددهم في دينهم ، لأن الحماسة هي الشدة ، فقلنا له : يا خطر ومن هو ؟ فقال والحياة والعيش ، إنه لمن قريش ، ما في حكمه طيش . أي عدول عن الحق ، من قولهم طاش السهم عن الهدف : إذا عدل عنه ، ولا في خلقه هيش . أي ليس في طبيعته وسجيته قول قبيح ، يكون في جيش ، وأي جيش ، من آل قحطان ، وآل أيش ، وآل قحطان هم الأنصار ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « رحى الإيمان دائرة في ولد قحطان » وآل أيش قبيلة من الجن المؤمنين ، ينسبون إلى أبيهم أيش ، شخص من كبير الجن . وقيل أراد بهم المهاجرين . أي ومن المهاجرين الذي يقال فيهم أيش ، لأنه يقال في مقام المدح فلان أيش على معنى أي شيء هو ؟ أي شيء عظيم لا يمكن أن يعبر عن عظمته وجلالته . وروي بدل أيش ريش . فقلنا له بين لنا من أي قريش ؟ فقال : والبيت ذي الدعائم ، يعني الكعبة ، والركن يعني الحجر